عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

466

اللباب في علوم الكتاب

هذه الأوجه أحسن من أنّه أخبر عن الموصول قبل تمام صلته ، وضعّف الثّالث بأنّه يلزم منه أن يكون استقرار النّصر مقيّدا بهذا الظّرف ، والنّصر من عند اللّه لا يتقيّد بوقت دون وقت وهذا لا يضعف به ؛ لأنّ المراد بهذا النّصر نصر خاص ، وهذا النصر الخاصّ كان مقيّدا بذلك الظرف . وضعّف الرابع بطول الفصل ، ويكون معمولا لما قبل « إلّا » . السادس : أنّه منصوب بقوله : « وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ » قاله الطّبريّ . السابع : أنّه منصوب بما دلّ عليه : « عَزِيزٌ حَكِيمٌ » قاله أبو البقاء ونحا إليه ابن عطيّة قبله . وقرأ ابن كثير « 1 » ، وأبو عمرو : « يغشاكم النّعاس » ، ونافع « 2 » « يغشيكم » بضمّ الياء ، وكسر الشّين خفيفة « النّعاس » نصبا والباقون « يغشّيكم » كالذي قبله ، إلّا أنه بتشديد الشّين . فالقراءة الأولى من : « غشي يغشى » ، و « النّعاس » فاعل ، وفي الثانية من : « أغشى » وفاعله ضمير الباري تعالى ، وكذا في الثالثة من : « غشّى » بالتشديد ، و « النّعاس » فيهما مفعول به . و « أغشى وغشّى » لغتان . قال الواحديّ : « من قرأ « يغشاكم » فلقوله : أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى [ آل عمران : 154 ] فكما أسند الفعل هناك إلى « النّعاس » ، و « الأمنة » التي هي سبب النّعاس كذلك ههنا ، ومن قرأ « يغشيكم » ، أو « يغشّيكم » فالمعنى واحد ، وقد جاء التّنزيل بهما في قوله : فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ يس : 9 ] وقال : فَغَشَّاها ما غَشَّى [ النجم : 54 ] . قوله : « أمنة » في نصبها ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه مصدر لفعل مقدر ، أي : فأمنتم أمنة . الثاني : أنّها منصوبة على أنّها واقعة موقع الحال إمّا من الفاعل ، وإمّا من المفعول ، فإن كان الفاعل « النعاس » فنسبة الأمنة إليه مجاز ، وإن كان الباري تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبة حقيقية ، وإن كان من المفعول فعلى المبالغة ، أي : جعلهم نفس الأمنة ، أو على حذف مضاف ، أي : ذوي أمنة . الثالث : أنّه مفعول من أجله ، وذلك إمّا أن يكون على القراءتين الأخريين أو على الأولى ، فعلى القراءتين الأخريين أمرها واضح ، وذلك أن التّغشية ، أو الإغشاء من اللّه تعالى ، والأمنة منه أيضا ، فقد اتّحد الفاعل فصحّ النّصب على المفعول له ، وأمّا على القراءة الأولى ففاعل « يغشى » النّعاس وفاعل « الأمنة » الباري تعالى ، ومع اختلاف الفاعل يمتنع النّصب على المفعول له على المشهور ، وفيه خلاف اللّهمّ إلّا أن يتجوّز فيجوز .

--> ( 1 ) ينظر : السبعة ( 304 ) ، الحجة 4 / 125 ، إتحاف 2 / 77 ، حجة القراءات ( 308 ) ، إعراب القراءات 1 / 222 ، النشر 2 / 276 . ( 2 ) المصدر السابق .